تمر بعض الأسر بمراحل من الخلاف والتوتر تبدو فيها المشكلات أكبر من أسبابها، ويبدو الحل أبعد مما ينبغي، فيلجأ بعض الناس حينئذٍ إلى تفسير ما يعيشونه بالسحر، ولا سيما ما يُعرف بـسحر التفريق وعلاجه الذي يتداوله الناس في حديثهم عن الخلافات الزوجية والأسرية التي يصعب تفسيرها.
ولا شك أن السحر ثابت في الشريعة الإسلامية، وهو من الكبائر التي حذّر منها الإسلام تحريمًا وممارسةً على حدٍّ سواء. غير أن ما يستوجب الوقفة والتأمل هو أن كثيرًا من الخلافات الزوجية والأسرية تجد تفسيراتها الحقيقية في جوانب نفسية وتواصلية واجتماعية وأحيانًا طبية، لا في أسباب روحية خارجية.
وفي هذا المقال، نسعى إلى تقديم رؤية متوازنة تجمع بين التثقيف الشرعي الصحيح في باب الرقية والتحصين، وبين التنبيه الضروري على الأسباب الواقعية التي ينبغي استنفادها قبل الانتقال إلى أي تفسير آخر. ذلك أن الحكمة والإنصاف يقتضيان النظر في كل الأسباب الممكنة بموضوعية، والأخذ بوسائل العلاج كلها دون إهمال أو إفراط.
ما المقصود بسحر التفريق؟
سحر التفريق مصطلح فقهي وارد في أدبيات العلماء القدامى والمعاصرين، ويُشير إلى نوع من السحر الذي يزعم فاعلوه أنه يُوقع الشقاق والبغضاء والنفور بين الزوجين أو بين أفراد الأسرة بعد أن كانوا متحابين متوافقين.
وأصله في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وهذه الآية دليل صريح على أن التفريق بين الزوجين من أبرز مقاصد السحرة، وأن للسحر في الجملة أصلاً شرعيًا ثابتًا.
غير أن ما ينبغي استحضاره دائمًا عند الحديث عن هذا الموضوع:
- السحر لا يؤثر إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فلا قدرة للساحر ولا لسحره على شيء إلا بمشيئة الله.
- الجزم بأن مشكلة زوجية بعينها سببها سحر تفريق يستلزم دليلاً واضحًا، لا مجرد شعور أو توقع.
- كثير جدًا من الخلافات الزوجية لها أسباب واقعية قابلة للتشخيص والعلاج بمعزل عن أي تفسير روحاني.
وإدراك هذا التوازن هو أول خطوة في التعامل الصحيح مع الموضوع.
لماذا يكثر الحديث عن سحر التفريق؟
الانتشار الواسع لهذا الموضوع في المجتمعات ليس وليد اليوم، لكنه يتجدد مع كل جيل بأشكال مختلفة، وثمة أسباب واضحة تفسر هذا الانتشار:
أولاً: الحاجة إلى تفسير المشكلة المستعصية
حين يعجز الزوجان عن فهم سبب خلافهم رغم محبتهم الأصيلة وحسن نيتهم، تكون النفس مهيأة لقبول أي تفسير خارجي يُقدم إجابة. والتفسير الروحاني يُريح نفسيًا في البداية لأنه يُخرج المشكلة من نطاق المسؤولية الشخصية.
ثانيًا: ضعف الثقافة التواصلية الزوجية
في كثير من الأسر لا يتعلم الزوجان مهارات التواصل الفعّال ولا أساليب إدارة الخلاف بشكل صحي، فتتراكم المشكلات الصغيرة حتى تبدو كبيرة ومستعصية، ويُبحث عن تفسير خارجي لما هو في الحقيقة قابل للحل داخليًا.
ثالثًا: غياب الوعي بالصحة النفسية
الاكتئاب واضطرابات الشخصية وأزمات منتصف العمر وضغوط العمل كلها عوامل نفسية تؤثر على الحياة الزوجية بشكل مباشر، غير أن غياب الوعي بها يجعل الناس يبحثون عن تفسيرات أخرى لما يُعانونه.
رابعًا: محتوى غير منضبط في الفضاء الرقمي
انتشار قنوات ومجموعات تتحدث عن السحر والرقية بلا رقابة شرعية أو علمية يُفضي إلى تضخم الظاهرة، ويدفع الناس إلى مطابقة أعراضهم الطبيعية على ما يقرؤون عن سحر التفريق.
خامسًا: استغلال الحاجة العاطفية
يستغل بعض أدعياء الرقية حاجة الناس واضطرابهم، فيُسارعون إلى تشخيص السحر ليُكسبوا ثقة الزبون ويفتحوا بابًا لجلسات مطوّلة بمقابل مادي.
المشكلات التي قد يربطها بعض الناس بسحر التفريق
يُشير بعض الناس إلى مشكلات بعينها واصفين إياها بأنها أعراض سحر التفريق، ونستعرضها هنا بموضوعية مع الإشارة إلى تفسيراتها الواقعية الممكنة.
كثرة الخلافات
يرى بعض الأزواج أن تزايد الخلافات وتكررها في فترة معينة دليل على سحر خارجي، خاصة إذا كانت الخلافات حول أمور تافهة لم تكن تستوجب تلك الحدة من قبل.
والتفسير الواقعي لهذه الظاهرة يشمل عوامل متعددة:
- تراكم الضغوط الحياتية من عمل وأطفال وديون ومشكلات سكن.
- التعب المزمن الذي يُقلص قدرة التحمل العاطفي ويُسرّع الاشتعال.
- أنماط تواصل سلبية متوارثة من البيئة الأسرية لكلٍّ من الزوجين.
النفور بين الزوجين
شعور أحد الزوجين أو كليهما بالنفور المفاجئ من الآخر رغم غياب سبب ظاهر يُعدّ من أكثر المشكلات التي تُنسب إلى سحر التفريق.
غير أن النفور العاطفي ظاهرة معروفة في علم النفس الزوجي، وله أسباب موثقة:
- الانطفاء العاطفي الطبيعي بعد سنوات من الزواج دون تجديد الاهتمام المتبادل.
- الإهمال المتراكم وعدم الشعور بالتقدير على مدى فترة طويلة.
- اضطرابات هرمونية تؤثر على المزاج والمشاعر لدى أحد الزوجين.
سوء التفاهم المستمر
حين يبدو أن كل محاولة للحوار تنتهي بسوء فهم أعمق، يُسارع بعض الناس إلى استدعاء تفسير السحر.
والواقع أن سوء التفاهم المزمن يعكس في الغالب:
- اختلافًا جوهريًا في أساليب التعبير عن المشاعر بين الزوجين.
- غياب الاستماع الفعّال واستبداله بالدفاعية والتحصن.
- جروحًا عاطفية قديمة لم تُعالَج تُلقي بظلالها على كل حوار جديد.
تغير المشاعر بصورة مفاجئة
يبدو في بعض الحالات أن الزوج أو الزوجة قد تغير في وقت قصير جدًا، فيُفسّر ذلك بالسحر فورًا.
لكن التغيرات المفاجئة في السلوك والمشاعر قد تعكس:
- حالة اكتئاب حادة أو قلق مزمن بدأت بالظهور.
- ضغطًا مهنيًا أو شخصيًا يتحمله أحد الزوجين بصمت.
- تغيرات هرمونية حقيقية تستدعي فحصًا طبيًا.
أهمية البحث عن جميع الأسباب الممكنة
قبل أي حكم بأن المشكلة الزوجية أو الأسرية سببها سحر تفريق، ينبغي أن يُستنفَد البحث في كل الأسباب الممكنة الأخرى، وهذا ليس تشككًا في ثوابت الشريعة، بل هو تطبيق لمبدأ الأخذ بالأسباب الذي أمر به الإسلام.
الأسباب الأسرية
كثير من الخلافات الزوجية تجذورها في المنظومة الأسرية الموسعة:
- التدخل المفرط من أهل أحد الزوجين في الشؤون الخاصة.
- الضغوط المالية المتعلقة بالإيجار أو الديون أو مصاريف التربية.
- توزيع غير عادل لمهام البيت يُولّد استياءً متراكمًا.
- خلافات على تربية الأطفال وأساليب التعامل معهم.
الأسباب النفسية
الصحة النفسية لأحد الزوجين أو كليهما لها تأثير مباشر على جودة الحياة الزوجية:
- الاكتئاب الذي يُغيّر المزاج والطاقة والاهتمام بالعلاقة.
- اضطراب القلق الذي يُوّلد توترًا مستمرًا يصعب مشاركته.
- صدمات الطفولة غير المعالجة التي تُعيد إنتاج نفسها في الحياة الزوجية.
- أنماط التعلق غير الآمن التي تُصعّب بناء الحميمية العاطفية المستدامة.
الأسباب الاجتماعية
البيئة الاجتماعية ليست محايدة في تأثيرها على العلاقة الزوجية:
- ضغط المجتمع وتوقعاته غير الواقعية من الزواج والأسرة.
- العزلة الاجتماعية التي تُفقد الزوجين نموذج العلاقات الصحية.
- التعرض لمحتوى رقمي سلبي يُشوّه صورة الزواج ويرفع سقف التوقعات.
- مقارنة الحياة الزوجية بما يُظهره الآخرون على وسائل التواصل الاجتماعي.
الجانب الروحي في اعتقاد بعض الناس
بعد استنفاد البحث في الأسباب السابقة، يجوز للمسلم أن يأخذ في الاعتبار الجانب الروحي إن وُجد ما يستدعيه، فيلجأ إلى الرقية الشرعية عند راقٍ ثقة ومعتمد.
وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على ثلاثة ضوابط:
- الرقية الشرعية الصحيحة لا تُلغي الأسباب الأخرى ولا تُغني عن معالجتها.
- اليقين بوجود سحر يستلزم دليلاً لا مجرد انطباع شخصي أو مطابقة أعراض.
- اللجوء إلى الرقاة الثقات لا إلى المشعوذين والدجالين الذين يستغلون الحاجة.
الرقية الشرعية للتحصين
الرقية الشرعية وقاية وعلاج بإذن الله، وهي تقوم على قراءة آيات قرآنية وأدعية نبوية ثابتة، سواء أقرأها الشخص لنفسه أم لجأ إلى راقٍ شرعي ثقة. وهي عبادة ودعاء قبل أن تكون علاجًا، فثمرتها مضمونة بإذن الله في كل حال.
سورة الفاتحة
سورة الفاتحة أم القرآن ومفتاحه، وقد ثبت في السنة النبوية الصحيحة أن الصحابة رقوا بها رجلاً لُدغ فشُفي. وهي تجمع بين الحمد والثناء والاستعانة وطلب الهداية، وتُعيد القلب إلى الله في كل مرة تُتلى.
وتُقرأ في الرقية ببطء وخشوع مع التدبر، ويُستحب إعادتها سبع مرات أو أكثر بحسب الحال.
آية الكرسي
هي أعظم آية في القرآن الكريم لما تحمله من بيان عظمة الله وقيوميته وسعة علمه وشمول سلطانه. وثبت في الحديث أن من قرأها عند النوم حفظه الله تلك الليلة ولم يقربه شيطان.
ولهذا كانت آية الكرسي ركيزة أساسية في كل برنامج رقية أو تحصين، وتُقرأ في أذكار الصباح والمساء وبعد كل صلاة وقبل النوم.
المعوذات
المعوذتان سورتا الفلق والناس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على قراءتهما ثلاثًا مع سورة الإخلاص كل صباح ومساء، وينفث في كفيه ويمسح بهما جسده.
واختصاصهما بالتحصين ظاهر في نصوصهما:
- سورة الفلق: استعاذة من شر كل مخلوق، ومن شر الحاسد إذا حسد.
- سورة الناس: استعاذة من الوسواس الخناس الذي يُوسوس في الصدور.
وهما بهذا يُغطيان أبرز مصادر الأذى المحتملة، مما جعلهما من أهم ما يُعتمد عليه في الرقية من سحر التفريق.
خواتيم سورة البقرة
خواتيم سورة البقرة هي آخر آيتين منها، وقد ثبت في الحديث النبوي الصحيح أن من قرأهما ليلاً كفتاه. وهي تجمع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والتضرع إليه بالمغفرة والرحمة والنصرة على القوم الكافرين.
وسورة البقرة كاملة من أقوى ما يُقرأ في الرقية الشرعية؛ لما ثبت من أن البيت الذي تُقرأ فيه لا يدخله الشيطان، ولما تحمله من آيات التوحيد والتحصين.
أذكار التحصين اليومية
الأذكار اليومية هي الدرع الواقي المتجدد الذي يُحيط بالمسلم في كل لحظة من يومه، وفيما يلي أبرز ما ثبت في السنة النبوية من أذكار التحصين:
أذكار الصباح:
- “اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور.”
- “أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له.”
- “بسم الله الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم” — ثلاث مرات.
- آية الكرسي، وسورة الإخلاص والمعوذتان ثلاثًا لكل منهما.
أذكار المساء:
- “اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير.”
- “أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” — ثلاث مرات.
- “حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم” — سبع مرات.
- آية الكرسي، وسورة الإخلاص والمعوذتان ثلاثًا لكل منهما.
أذكار قبل النوم:
- قراءة آية الكرسي مباشرة قبل الغفوة.
- قراءة المعوذتين مع النفث في الكفين ومسح الجسد.
- قراءة آخر آيتين من سورة البقرة.
ومن المهم التنبيه على أن فاعلية هذه الأذكار مرتبطة بالمواظبة والحضور القلبي، لا بالتلاوة الآلية السريعة دون استيعاب للمعنى.
برنامج يومي للتحصين
لتحقيق التحصين المستمر والفعّال، ينبغي أن يكون لدى المسلم برنامج منتظم لا قراءة متقطعة في أوقات الخوف فقط، وفيما يلي مقترح عملي متكامل:
الفجر:
- أداء صلاة الفجر في وقتها لأن الصلاة هي أساس الحصانة الروحية.
- قراءة أذكار الصباح كاملة بعد الصلاة.
- قراءة ورد يومي من سورة البقرة ولو صفحتين أو ثلاثًا.
خلال النهار:
- الإكثار من الاستغفار بين المهام اليومية.
- ذكر الله عند كل انتقال: دخول المنزل والخروج منه، ركوب السيارة، الطعام.
- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة.
المساء:
- أداء صلاة العصر في وقتها ثم قراءة أذكار المساء فور الفراغ منها.
- الدعاء في الفترة قبيل المغرب، وهي من أوقات الاستجابة المرجوّة.
الليل:
- أداء صلاة العشاء والمحافظة على الوتر.
- قراءة أذكار النوم كاملة.
- الدعاء بخشوع قبيل الغفوة مباشرة لتأتي الليلة محفوظة بإذن الله.
أسبوعيًا:
- إتمام قراءة سورة البقرة كاملة في البيت، موزعةً على أيام الأسبوع.
- الإكثار من الصلاة على النبي يوم الجمعة وليلتها.
- مراجعة الذات في حال التقصير وتجديد النية للمواظبة.
نصائح لتعزيز العلاقة الزوجية وحل الخلافات
لأن كثيرًا من مشكلات الحياة الزوجية يمكن علاجها بأدوات واقعية عملية، نقدم هنا نصائح مجربة تُعزز من تماسك العلاقة الزوجية وتُقلل من الخلافات:
- الحوار الهادئ المنتظم: تخصيص وقت أسبوعي ثابت للحديث عن المشاعر والاحتياجات بعيدًا عن ضغوط اليوم.
- التعبير عن الامتنان يوميًا: إبداء التقدير لأفعال الشريك الصغيرة قبل الكبيرة يُعيد بناء الدفء العاطفي المفقود.
- اللجوء إلى الإرشاد الزوجي المتخصص: المستشار الأسري أو المرشد النفسي ليس بديلاً عن الله، بل هو أداة من أدوات الأخذ بالأسباب التي أمر بها الإسلام.
- تقليل التدخل الخارجي: ضبط حضور الأهل في الخلافات الخاصة وتقليل تأثير المحيط على القرارات الزوجية.
- تجديد الاهتمام: العودة إلى ما كان يجمع الزوجين من اهتمامات مشتركة وأنشطة مشتركة قبل تراكم المسؤوليات.
- الدعاء معًا: أن يحرص الزوجان على الدعاء معًا بعض الأحيان، فهذا يُعمّق الصلة الروحية ويُذكّر بأن العلاقة أمانة في عنق كليهما.
أخطاء شائعة يقع فيها الناس
في التعامل مع مشكلات الحياة الزوجية وتفسيرها، يقع كثير من الناس في أخطاء مزدوجة بين الإفراط في الاتهام بالسحر وبين إهمال الأسباب الواقعية:
الخطأ الأول: الاستنتاج السريع دون تثبت
اتهام السحر دون استنفاد الأسباب الأخرى خطأ شرعي وعقلي، ويُلحق ضررًا بالغًا بالعلاقات الأسرية التي تنهار بسبب اتهامات لا دليل عليها.
الخطأ الثاني: اللجوء إلى المشعوذين
الراقي الشرعي يعتمد القرآن الكريم وحده وسيلةً، أما من يستخدم الطواجن والبخور والتمائم والطلاسم المجهولة فهو دجّال لا ينبغي الاقتراب منه، وما يأخذه من مال ليس ثمن علاج بل ثمن وهم.
الخطأ الثالث: إهمال العلاج الزوجي الفعلي
بعض الأزواج يكتفون بالذهاب إلى الراقي بحثًا عن حل روحاني بينما يتركون المشكلات الحقيقية بينهم دون معالجة، فلا يحصلون على نتيجة لأنهم لم يعالجوا الجذر الحقيقي.
الخطأ الرابع: إهمال الصحة النفسية لأحد الطرفين
اضطراب نفسي غير مُشخَّص عند أحد الزوجين يُشبه في آثاره تمامًا ما ينسبه الناس إلى سحر التفريق، والعلاج يختلف اختلافًا جوهريًا بين الحالتين.
الخطأ الخامس: الانقطاع عن برنامج التحصين حين تتحسن الأحوال
التحصين عبادة مستمرة لا دواء لمرحلة معينة، والانقطاع عنه حين يظن المرء أن الأمور تحسنت يُفوّت الأثر التراكمي لهذا التحصين.
الخطأ السادس: إخفاء المشكلة الزوجية عن خشية الكلام
بعض الناس يُفضلون الصمت على الخلافات الزوجية خوفًا من الكلام الاجتماعي، فتتراكم المشكلات حتى تصبح أعمق مما بدأت عليه. الاستعانة بمختص ثقة في مرحلة مبكرة أفضل بكثير من الانتظار حتى يستفحل الأمر.
متى ينبغي استشارة مختص أسري أو طبي؟
المشورة المتخصصة ليست تخليًا عن الله ولا ضعفًا في الإيمان، بل هي تطبيق لمبدأ الأخذ بالأسباب الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “تداووا عباد الله.”
ينبغي مراجعة مستشار أسري في الحالات الآتية:
- تكرار الخلافات حول موضوعات ثابتة دون الوصول إلى حل مهما حاول الزوجان.
- الشعور بعدم القدرة على التواصل مع الشريك أو الإحساس بعدم الفهم المتبادل.
- وجود أطفال يتأثرون من الجو الأسري المشحون بشكل ملحوظ.
- الرغبة في التفكير بالانفصال رغم الرغبة في إنقاذ العلاقة.
وينبغي مراجعة طبيب نفسي أو عام في الحالات الآتية:
- ملاحظة تغيرات مفاجئة في المزاج أو السلوك لدى أحد الزوجين.
- وجود أعراض اكتئاب أو قلق مزمن تؤثر على الحياة اليومية.
- الشعور بالإرهاق الشديد أو فقدان الاهتمام بكل شيء في آنٍ واحد.
- وجود أعراض جسدية مصاحبة تستدعي فحصًا طبيًا دقيقًا.
والجمع بين المسارين، الشرعي والمتمثل في التحصين والرقية، والعلمي المتمثل في الإرشاد والعلاج، هو أحكم وأكمل طريق للخروج من أي أزمة زوجية أو أسرية.
أسئلة شائعة
ما هو سحر التفريق بالتحديد؟
سحر التفريق مصطلح وارد في الفقه الإسلامي، ويُشير إلى نوع من السحر يزعم فاعلوه إيقاع الشقاق بين الزوجين. وله أصل في القرآن الكريم في قوله تعالى في البقرة عن ما يتعلمه السحرة لتفريق المرء وزوجه. والسحر في الجملة ثابت شرعًا، لكن نسبته إلى حالة بعينها يحتاج إلى تثبت ودليل.
هل كل الخلافات الزوجية سببها السحر؟
لا، قطعًا. الخلافات الزوجية في الغالب الأعم لها أسباب واضحة ومفهومة تتعلق بالتواصل والتوقعات والضغوط الحياتية والصحة النفسية. نسبة الخلافات إلى السحر دون تمحيص هي تسرع غير محمود شرعًا ولا عقلاً.
ما دور الرقية الشرعية في علاج سحر التفريق؟
الرقية الشرعية بالقرآن الكريم والأدعية الثابتة نافعة بإذن الله، سواء أكان ثمة سحر فعلي أم كانت وقاية وتعبدًا. وهي لا تُغني عن معالجة الأسباب الواقعية للخلاف، بل تُرافقها وتُكملها.
ما أفضل أذكار التحصين من سحر التفريق؟
أفضل ما يُداوم عليه للتحصين: أذكار الصباح والمساء كاملة، وآية الكرسي، والمعوذتان وسورة الإخلاص ثلاثًا، و”أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” ثلاث مرات مساءً، وخواتيم سورة البقرة قبل النوم.
هل سورة البقرة نافعة في التحصين من السحر؟
نعم، ثبت في السنة النبوية أن البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان ثلاث ليالٍ، وهي من أشد ما يُؤثر في السحر وأقواه في إضعاف أثره. ولهذا يحرص الرقاة الشرعيون على الاعتماد عليها في جلسات الرقية والتحصين.
كيف أحافظ على التحصين اليومي وسط انشغالات الحياة؟
المحافظة على التحصين تبدأ بتحويله من واجب إلى عادة راسخة كالصلاة تمامًا. يُساعد تخصيص وقت ثابت بعد الفجر وبعد العصر لأذكار الصباح والمساء، وربط قراءة سورة البقرة بوقت محدد في الأسبوع، حتى تصبح هذه الأمور جزءًا لا يتجزأ من الروتين اليومي.
هل توجد أسباب نفسية واجتماعية للخلافات الزوجية؟
نعم، وهي في كثير من الحالات الأسبابُ الأكثر شيوعًا. ضغوط العمل والمالية، واضطرابات المزاج والاكتئاب غير المشخَّص، والأنماط التواصلية الخاطئة، وتدخل الأسرة الموسعة، وتراكم الاستياء الصامت، كلها عوامل موثقة تُولّد خلافات زوجية حادة قابلة للمعالجة.
متى يجب مراجعة مستشار أسري أو طبيب نفسي؟
يجب المراجعة حين تتكرر الخلافات حول المواضيع نفسها دون حل رغم حسن النية، وحين يظهر على أحد الزوجين تغيرات مزاجية أو سلوكية مفاجئة، وحين يبدأ الأطفال بالتأثر من الجو الأسري، وحين تتراجع نوعية الحياة للزوجين بشكل ملحوظ ومتواصل.
الخاتمة
الحياة الزوجية نعمة عظيمة وأمانة ثقيلة، والمحافظة عليها واجب شرعي وإنساني في آنٍ واحد.
وحين تمر هذه الحياة بمراحل من الخلاف والتوتر، فإن الحكمة الحقيقية تكمن في النظر المتوازن في كل الأسباب الممكنة: الأسرية والنفسية والاجتماعية والروحية، وعلاج كلٍّ منها بما يُناسبه من أدوات وسبل.
فالتحصين الشرعي بالقرآن والأذكار حصن لا غنى عنه، والإرشاد الأسري المتخصص أداة حكيمة لا ضعف فيها، والتداوي الطبي النفسي واجب حين استدعته الحاجة، والأخذ بالأسباب الواقعية في التواصل وبناء العلاقة ضرورة إنسانية.
وخير ما يُختم به: المسلم الذي يُحصّن بيته بذكر الله، ويبني علاقته بالصدق والاحترام، ويلجأ إلى المختص حين يحتاج، ويتوكل على الله في كل الأحوال، هذا المسلم قد أخذ بكل أسباب الحفظ والعافية، وما على المؤمن بعد ذلك إلا حسن الظن بالله.



